نَصِيحَةُ مُحِبٍّ فِي المَذْهَبِيَّةِ
هذه كلمات كتبتها لإخواني في الله؛ بعد أن سمعت ما دار من حوار. إغفال الأئمة الأربعة ومذاهبهم لا يصلح بأي حال من الأحوال، ويدل على غياب علم قائله وسوء ملكته.
نريد الاستفادة من الأئمة الأربعة ومذاهبهم من غير تعصب، ولا ولاء ولا براء.
المذهب الحنفي علم قائم بذاته، لكنه ليس هو فحسب الإسلام كله.
المذهب المالكي علم قائم بذاته، لكنه ليس هو فحسب الإسلام كله.
المذهب الشافعي علم قائم بذاته، لكنه ليس هو فحسب الإسلام كله.
المذهب الحنبلي علم قائم بذاته، لكنه ليس هو فحسب الإسلام كله.
التفقه بمذهبين أقوى من التفقه بمذهب واحد، وقالوا: ما الشيء الذي يغرد أكثر من عصفور؟ الجواب: عصفوران، وثلاثة…
والتفقه بثلاثة مذاهب أقوى من التفقه بمذهبين. والتفقه بها كلها أقوى من التفقه بثلاثة منها. وأخذ ما قاله غيرهم من العلماء أقوى من الاقتصار على المذاهب الأربعة.
لذلك احتاجت الأمة إلى الخروج عن قول الجمهور؛ فيمن طلق ثلاثًا في مجلس واحد، وأخذوا بقول ابن تيمية - رحم الله الجميع -.
وهناك فروق فردية جعلها الله - تعالى - في البشر تختلف فيها القدرات والهمم والفهم، فأرى أنه ليس من الصواب أن تُلزم الناس كلهم بالتقليد. ولو صح هذا لما خرج الناس كلهم عن مذهب واحد.
ولم يصح هذا أصلًا من قبل، وذلك أن أول المذاهب المشتهرة - كما لا يخفى - هو مذهب الإمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، فالإذن لمذهب بعده لا يحل إذا أردنا الأخذ بإلزام التقليد. بفضل الله تعالى جاء بعده المذهب المالكي، ثم الشافعي، ثم الحنبلي.
نعم؛ هناك فروق فردية بين الشخص والآخر، فكيف تريد التسوية بين العاجز والمثابر؟ فهذا عامي عاجز، وهذا باحث مثابر.
وأين الفقه المقارن من هذه الإلزامات؟ وأين منهج البحث العلمي؟ وأين الراجح والمرجوح؟ وأين التطبيقات العملية لإلزام المذهب الواحد؟
وهذه ثلاثة أمثلة بين أيدينا:
١ - ( في صدقة الفطر )
مذهب بلادنا هو مذهب الإمام الشافعي - رحمه الله -؛ وصدقة الفطر لا يؤخذ بقوله في ذلك في إخراجها طعامًا، بل هو قول الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة، فقد تركوا هذا القول وأخذوا بقول الإمام أبي حنيفة - رحمه الله -.
قال الإمام الشافعي - رحمه الله - في كتاب «الأم» (٤/٢٥٥):
إِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَقْتَاتُ حُبُوبًا: شَعِيرًا، وَحِنْطَةً، وَزَبِيبًا، وَتَمْرًا فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَمِنْ أَيِّهَا أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ، فَإِنْ كَانَ يَقْتَاتُ حِنْطَةً فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ زَبِيبًا، أَوْ تَمْرًا، أَوْ شَعِيرًا كَرِهْتُهُ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ يُعِيدَ.
ولماذا تأتي حلقات في التلفاز فيها الحدة والسخرية؛ ممن يرى إخراج الطعام، وهو قول الجمهور - كما علمتم -؟
۲ - ( وفي صلاة الجمعة )
ترى الشافعية - وكذا الحنابلة - أن أقل عدد تُقام به صلاة الجمعة هو أربعون رجلًا من أهل وجوبها مع الإمام. ومذهب أبي حنيفة - رحمه الله - يرى صحتها بثلاثة رجال سوى الإمام، ولو كانوا مسافرين أو مرضى.
التطبيق العملي:
معالي الوزير - حفظه الله - صلى إمامًا ومعه ثلاثة أثناء ظروف الكورونا، فمعذرة؛ أين الأربعون؟
٣ - ( وفي قتل المسلم بالكافر )
في المذهب الشافعي لا يجوز قتل المسلم بالكافر (الذمي والمعاهد) أبداً، وكذا مذهب الحنابلة وبعض المالكية، وفي بلادنا - حرسها الله وسائر بلاد المسلمين - يأخذون بمذهب الإمام أبي حنيفة - رحمه الله -؛ أنه يُقتل به.
إننا نريد التعاون العلمي والدعوي والائتلاف وعدم الاختلاف، والإعذار وحسن الظن وقبول الآخرين.
قال - تعالى - في حق الكفار:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾
[الأنفال: ٧٣].
فإذا أردنا استرداد بيت المقدس وغيرها من ديارنا السليبة، وأقطارنا الحبيبة؛ فلنحقق هذا المعنى: (بعضنا أولياء بعض).
بيت المقدس لا يعيده من يتعصب لحزب واحد، أو جماعة واحدة، أو شيخ واحد، أو مذهب واحد، أو كان عنده الولاء والبراء في ذلك.
قال - تعالى -:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[الحجرات: ١٠]
وقال - عليه الصلاة والسلام -:
«لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا».
أخرجه البخاري (6065) ومسلم (2559).
وحذار من سوء الظن...
فعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال:
نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة فقال:
«مرحباً بك من بيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك!
وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك،
إن الله حرم منكِ واحدة، وحرم من المؤمن ثلاثاً:
دمه، وماله، وأن يُظن به ظن السوء».
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" بسند حسن.
وأخيراً: علينا أن ندعو الله بإخلاص ويقين:
«اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ،
فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ،
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ،
اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ،
إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.